هل كلمة "الفطرة" بيولوجيّة خُلقت من أجسادنا أم إنها كلمة خُلقت من لسان الحَجّة التي تبيع الشاي والرجل المُسنّ في الطابق الخامس من العمارة وأحاديث النساء حول المائدة ونقاشات الرجال في المقهى..
حسب رؤيتي ومعرفتي الحالية؛ أرى أن الفطرة والغريزة ينفصلان من حيث المنطلق؛ فليست الغريزة في مفهومي موطناً للشهوة، بل إن محددات الشهوة تسمو فوقها، ليكون هناك منطلقٌ ثابتٌ يحدد كنه الغريزة لدى كل كائن. وإذ ندرج الغريزة -في عرفنا- ضمن الطبع الحيواني، فإن هذا لا يعني استئثار الإنسان بالفطرة وحده!
فالفطرة عندي هي (الارتهان السليم نحو الرغبة)؛ فمن فطرة الطفل أن يقتات باللبن أولاً لا بالعسل. وحين يبلغ المرءُ مرافئ الوعي، تتطور الغريزة بتكييفٍ من العقل، فيُولد الاختيار. فإذا كانت الغريزة هي (الغذاء) بوصفه ضرورةً ولازماً وحاجة، فإن الاختيار يأتي تالياً للفطرة كفرعٍ من الأصناف، به يتميز الوعي بذاته.
وتبسيطاً لهذا المفهوم؛ أرى الغريزة والفطرة كخطين لا يتوازيان، بل يلتويان ويتداخلان؛ فالفطرة تقود الذكر نحو الأنثى في مسارٍ سليم، والغريزة تطلب البقاء عبر بوابة التكاثر، ولإتمام هذا المسعى تقوده الفطرة بآلياتٍ فسيولوجية محكمة. فلا يمكننا أن نفصل بينهما فصلاً تاماً، إذ يتقدم أحدهما على الآخر في مواضع، ويتلوه في أخرى.
وأعتقد أن من قسر المعرفة الحالية حصر (الغريزة) في الجانب الحيواني -وبالتالي الجانب المادي في الإنسان- وتخصيص (الفطرة) للجانب الواعي المُهذب؛ فهذا التقسيم يشير بحدة إلى فرضية بدائية الخلق الحيواني فينا -وفق الرؤية الدارونية- ثم مجيء الفطرة كطورٍ لاحق من التطور، بهذا فحتى المجتمعات المسلمة نؤيد نظرية داروين في تداولها للافكار، وتنفيها في ذات الوقت "تناقضات لاواعية".
بينما أراهما في معرفتي الحالية متداخلين يكمل أحدهما الآخر؛ فـ (الغريزة هي مَطلب البقاء، والفطرة هي اتجاه البقاء). وإن محاولتنا لتخصيص كل منهما بمعزل عن الآخر هي محاولة علمية لـ (فصل اللامفصول) وجعله عينة دراسية فحسب. ولربما كانت المسألة مجرد مصطلحات متداولة، بينما تظل الفطرة بمعناها الأصح قيد البحث، أو لعلها تُسمى في محطة علمية أخرى بـ (الغريزة الواعية).
هذا مجرد تأمل أثارته كلماتك، ولا أجزم بصوابه أو خطئه، بل هو فكرٌ استحثه موضوعك
شكرا لمشاركة رأيك. في تعليقك، وضحت جملة مهمة (الغريزة مطلب البقاء، والفطرة هي إتجاه البقاء)
اتجاه أم معيار، يترادفان نوعا ما في المعنى. فأحدها يتطلبها الجسد والآخر يُبنى أو يقاد بنوع من الوعي، أو كما ذكرت أنت -الوعي- الغريزي والوعي بناء عصبي يعتمد على عدة أمور يمر بها الدماغ.
من الصعب أن تقرأ المقالة لنهايتها فتقول أن هناك محاولة فصل، لأنني في نهايتها أقول أن عملية البناء هذه هي حتمية بيولوجية للدماغ (أي يستحيل أن يكون الإستنتاج من قراءتها أن -يستثار الإنسان بالفطرة فقط-) إلا أنها مرنة في السياق أي تعتمد على اللغة والمجتمع والبيئة والتنشئة التربوية (أي ما ذكرته أنت بالإتجاه "السليم" أنا لم أستخدم أي كلمات أخلاقية لوصف آلية البناء لأنه ليس مضمون مقالتي).
ولا يسعني إلا أن أذكّرك، في الدماغ لا توجد آلية تعمل لوحدها، أي فكرة أن كل منطقة مسؤولة عن شيء معين وآلية تعمل وحدها، هي فكرة خاطئة، لذلك من المؤكد أن لا يوجد واقع علمي حيث آلية الغريزة تُفصل عن آلية أُخرى ولكن يعملان مع بعض، وهذه معرفة بديهية لا تحتاج لتوضيح مطول في المقالة بأن الدماغ معقد ويستخدم جميع آلياته في آن واحد.
مقالتي هذه محاولة لفصل المصطلح اللغوي ما بين الكلمتين وإعادة النظر إليهما بنظرة بحثية. شكرا لوقتك:)
للتوضيح فقط، قمت بالاشارة بصفة عامة، لان بالفعل المجتمع يبحث عن الفصل بشكل دائم ونقاط الفصل لا تظهر بالشكل البديهي، بل تتطلب تحليلا ودراسة من مختلف التخصصات، وجمع بين العلوم للفصل بينهما، المقال وفى حقه في الطرح.
الفطرة هي مجموعة السلوكيات والقيم والأخلاق التي يُفترض أن يكون عليها الإنسان. فالإنسان يولد بالغريزة؛ كالشهوة والجوع والخوف، وهي أشياء تنبع من الجسد ولا يملك الإنسان خيارًا في وجودها.
على العكس من ذلك، الفطرة لا تنبع من الجسد، بل تمثل ما يجب على الإنسان أن يكونه من أخلاق وسلوكيات وقيم.
ومن وجهة نظري، الفطرة ليست أمرًا فطريًا بالمعنى البيولوجي، بل هي شيء يُصنع ويُبنى؛ أي أن السلوك والأخلاق والقيم التي نُسميها “فطرة الإنسان” لا تأتي تلقائيًا كالغريزة، وإنما هي نتاج الإنسان نفسه، وتكوينه، وتربيته، والمعايير التي يُنشأ عليها. هذه هي الفطرة كما أراها
أعتقد المعضلة في سؤالك هي "البشر يستطيعون تحليل الصحيح من الخاطئ بسبب ذكاء ومشاعر" أي أن التمييز قد يأتي تلقائي أو أن كلمة صح حيادية في كل السياقات والخطأ كذلك. البشر يتعلمون من تجاربهم بمرور الزمن أن يبنوا القيم الأخلاقية ما بين الصحيح والخاطئ، لأنها نسبية وتختلف من مجتمع لآخر ومن معتقد لآخر وحتى من شخص لآخر. الحيوانات يتعلمون أيضا ولديهم كفاءة ولكن ليست بكفاءة وتعقيد دماغ الإنسان، هذا مؤكد
حسب رؤيتي ومعرفتي الحالية؛ أرى أن الفطرة والغريزة ينفصلان من حيث المنطلق؛ فليست الغريزة في مفهومي موطناً للشهوة، بل إن محددات الشهوة تسمو فوقها، ليكون هناك منطلقٌ ثابتٌ يحدد كنه الغريزة لدى كل كائن. وإذ ندرج الغريزة -في عرفنا- ضمن الطبع الحيواني، فإن هذا لا يعني استئثار الإنسان بالفطرة وحده!
فالفطرة عندي هي (الارتهان السليم نحو الرغبة)؛ فمن فطرة الطفل أن يقتات باللبن أولاً لا بالعسل. وحين يبلغ المرءُ مرافئ الوعي، تتطور الغريزة بتكييفٍ من العقل، فيُولد الاختيار. فإذا كانت الغريزة هي (الغذاء) بوصفه ضرورةً ولازماً وحاجة، فإن الاختيار يأتي تالياً للفطرة كفرعٍ من الأصناف، به يتميز الوعي بذاته.
وتبسيطاً لهذا المفهوم؛ أرى الغريزة والفطرة كخطين لا يتوازيان، بل يلتويان ويتداخلان؛ فالفطرة تقود الذكر نحو الأنثى في مسارٍ سليم، والغريزة تطلب البقاء عبر بوابة التكاثر، ولإتمام هذا المسعى تقوده الفطرة بآلياتٍ فسيولوجية محكمة. فلا يمكننا أن نفصل بينهما فصلاً تاماً، إذ يتقدم أحدهما على الآخر في مواضع، ويتلوه في أخرى.
وأعتقد أن من قسر المعرفة الحالية حصر (الغريزة) في الجانب الحيواني -وبالتالي الجانب المادي في الإنسان- وتخصيص (الفطرة) للجانب الواعي المُهذب؛ فهذا التقسيم يشير بحدة إلى فرضية بدائية الخلق الحيواني فينا -وفق الرؤية الدارونية- ثم مجيء الفطرة كطورٍ لاحق من التطور، بهذا فحتى المجتمعات المسلمة نؤيد نظرية داروين في تداولها للافكار، وتنفيها في ذات الوقت "تناقضات لاواعية".
بينما أراهما في معرفتي الحالية متداخلين يكمل أحدهما الآخر؛ فـ (الغريزة هي مَطلب البقاء، والفطرة هي اتجاه البقاء). وإن محاولتنا لتخصيص كل منهما بمعزل عن الآخر هي محاولة علمية لـ (فصل اللامفصول) وجعله عينة دراسية فحسب. ولربما كانت المسألة مجرد مصطلحات متداولة، بينما تظل الفطرة بمعناها الأصح قيد البحث، أو لعلها تُسمى في محطة علمية أخرى بـ (الغريزة الواعية).
هذا مجرد تأمل أثارته كلماتك، ولا أجزم بصوابه أو خطئه، بل هو فكرٌ استحثه موضوعك
شكرا لمشاركة رأيك. في تعليقك، وضحت جملة مهمة (الغريزة مطلب البقاء، والفطرة هي إتجاه البقاء)
اتجاه أم معيار، يترادفان نوعا ما في المعنى. فأحدها يتطلبها الجسد والآخر يُبنى أو يقاد بنوع من الوعي، أو كما ذكرت أنت -الوعي- الغريزي والوعي بناء عصبي يعتمد على عدة أمور يمر بها الدماغ.
من الصعب أن تقرأ المقالة لنهايتها فتقول أن هناك محاولة فصل، لأنني في نهايتها أقول أن عملية البناء هذه هي حتمية بيولوجية للدماغ (أي يستحيل أن يكون الإستنتاج من قراءتها أن -يستثار الإنسان بالفطرة فقط-) إلا أنها مرنة في السياق أي تعتمد على اللغة والمجتمع والبيئة والتنشئة التربوية (أي ما ذكرته أنت بالإتجاه "السليم" أنا لم أستخدم أي كلمات أخلاقية لوصف آلية البناء لأنه ليس مضمون مقالتي).
ولا يسعني إلا أن أذكّرك، في الدماغ لا توجد آلية تعمل لوحدها، أي فكرة أن كل منطقة مسؤولة عن شيء معين وآلية تعمل وحدها، هي فكرة خاطئة، لذلك من المؤكد أن لا يوجد واقع علمي حيث آلية الغريزة تُفصل عن آلية أُخرى ولكن يعملان مع بعض، وهذه معرفة بديهية لا تحتاج لتوضيح مطول في المقالة بأن الدماغ معقد ويستخدم جميع آلياته في آن واحد.
مقالتي هذه محاولة لفصل المصطلح اللغوي ما بين الكلمتين وإعادة النظر إليهما بنظرة بحثية. شكرا لوقتك:)
شكراً لردك الوافي والكافي،
للتوضيح فقط، قمت بالاشارة بصفة عامة، لان بالفعل المجتمع يبحث عن الفصل بشكل دائم ونقاط الفصل لا تظهر بالشكل البديهي، بل تتطلب تحليلا ودراسة من مختلف التخصصات، وجمع بين العلوم للفصل بينهما، المقال وفى حقه في الطرح.
مشكورة على المساحة 🙏🏻
ماشاءالله عليك والله
مبدعة
you are<3
الفطرة هي مجموعة السلوكيات والقيم والأخلاق التي يُفترض أن يكون عليها الإنسان. فالإنسان يولد بالغريزة؛ كالشهوة والجوع والخوف، وهي أشياء تنبع من الجسد ولا يملك الإنسان خيارًا في وجودها.
على العكس من ذلك، الفطرة لا تنبع من الجسد، بل تمثل ما يجب على الإنسان أن يكونه من أخلاق وسلوكيات وقيم.
ومن وجهة نظري، الفطرة ليست أمرًا فطريًا بالمعنى البيولوجي، بل هي شيء يُصنع ويُبنى؛ أي أن السلوك والأخلاق والقيم التي نُسميها “فطرة الإنسان” لا تأتي تلقائيًا كالغريزة، وإنما هي نتاج الإنسان نفسه، وتكوينه، وتربيته، والمعايير التي يُنشأ عليها. هذه هي الفطرة كما أراها
نعم، هذا ما يناقشه المقال…
أعتقد المعضلة في سؤالك هي "البشر يستطيعون تحليل الصحيح من الخاطئ بسبب ذكاء ومشاعر" أي أن التمييز قد يأتي تلقائي أو أن كلمة صح حيادية في كل السياقات والخطأ كذلك. البشر يتعلمون من تجاربهم بمرور الزمن أن يبنوا القيم الأخلاقية ما بين الصحيح والخاطئ، لأنها نسبية وتختلف من مجتمع لآخر ومن معتقد لآخر وحتى من شخص لآخر. الحيوانات يتعلمون أيضا ولديهم كفاءة ولكن ليست بكفاءة وتعقيد دماغ الإنسان، هذا مؤكد