الفطرة المجتمعية في الدماغ البشري: معيار أخلاقي أم بيولوجي؟
هل كلمة "الفطرة" بيولوجيّة خُلقت من أجسادنا أم إنها كلمة خُلقت من لسان الحَجّة التي تبيع الشاي والرجل المُسنّ في الطابق الخامس من العمارة وأحاديث النساء حول المائدة ونقاشات الرجال في المقهى.. لأعيد لكم سؤالي، هل أصل كلمة "الفطرة" ثابتة وعلمية أم إنها نُسجت من كلماتنا وحواراتنا العامة؟ أم لأزيد على سؤالي أخيرا، هل هذه الكلمة تصف الدماغ البشري أم أنها تُهذبه؟ أنا لا أطرح تلك الأسئلة لأن لدي إجابة، ولا لأني أمتلك تلك الجرأة التي تجزم ذلك أو هذا. أطرحُ السؤال حتى نأخذ هذه الكلمة على طاولتنا الإفتراضية، ثم نحللها ونمدُ فيها ونُشرحها، لعَلنا نخرج من مقالتي بفهم فسيولوجي للفطرة.
في بداية بحثي وقفت أمام سؤالي الأول: فرق المعنى ما بين كلمة غريزة وفطرة. لطالما رأيت هاتين الكلمتين بسياقات مختلفة.. فكلمة غريزة بدت لي بمثابة الشراهة والشهوة والبدائية أما كلمة فطرة بدت لي بمثابة شيء مهذّب، وسويّ وعاقل. ولكنني أربط كل تلك المعاني بسياق ثقافي ولغوي وربما حتى من سياق أخلاقي متحيز… لذلك كأي باحث، تجردتُ من رأيي وموقفي الأخلاقي, قادتني أسئلتي لطريق متعثر بالدراسات والتجارب بيد كل من سأل قبلي. وقبل أن أطرح بعض من هذه الدراسات لا يسعني إلا أن أذكركم بأن "العلمي" لا يعني دائما الحيادي والصائب، وبأن العلم متقلب ومرن ولابد أن نراه كذلك وإلا قد نستعمله ونستند به بجهل.
في عام ١٩٣٣، قرر العالم كيلوغ أن يتبنى قردًا ويربيه مع طفلهُ حديث الولادة دونالد، كان قراره تجريبيًا بحتًا فهو في تلك اللحظة لم يرى القرد ودونالد إلا كأدوات تجربة لفرضيته الكبرى: إذا تم تربية القرد بأسلوب بشري، هل سيكبر ليصبح كالبشر؟ والسبب الأول الذي دفع كيلوغ لفرضيته هو ظاهرة الأطفال المتوحشين، أطفال نشأوا بين الحيوانات في الغابات وخرجوا من الغابة بطبيعة حيوانية… لذا كان سؤاله: إذا كانت تنشئة الإنسان هي المعيار الأول لطبيعته البشرية، هل يُطبق ذلك الشيء حين نعكس الأدوار؟
في خلال أشهر التجربة، عاملوا القرد كما لو أنه شقيق الطفل دونالد، كانا يأكلان وينامان ويلعبان كبعضهم، علموا القرد آداب الأكل والحمام ووقت النوم وفهم لغة البشر، دربوه مرارا كيف يمشي قائما ويعانق ويلعب، والأهم انهم علموه طبيعة العلاقات البشرية، فقد كان الطفل أقرب صديق للقرد وكانا يقضيان كل وقتهما برفقة بعض.
في الأشهر الأولى كان العالم فخورًا بتجربته لأن القرد بالفعل بدأ يتصرف بأسلوب بشري ، حتى أنه كان أذكى من الطفل في الكثير من الجوانب، أما بتقدم الوقت بدت آثار التجربة على حقيقتها… رغم التقدم الأولي للقرد، إلا أنه بعد مرحلة معينة لم يتطور أكثر من ذلك، وبقى القردُ قردًا. ولكن دونالد توقف كليا عن التطور الطبيعي، فكانت تصرفاته أقرب لتصرفات القرد، ففي عمره حين يفترض أن يبدأ الطفل في النطق، كان يقلد أصوات القردة. حينها ارتعب كيلوغ من ما قد يحدث لقدرات طفله إذا استمر في تجربته، فأرجعوا القرد إلى منشأه ورجعوا هم إلى نيويورك.
من دراسة كيلوغ، قد أجبتُ على سؤالي الأول. كانا الطفل والقرد بمثابة طرَفي السؤال، فالطفل يمثل الفطرة بينما القرد يمثل الغريزة. كان القرد مهما تم محاولة أنسنتهُ يعود لغريزته الحيوانية وحدوده الجينية، ورغم تطوره البسيط عن باقي القردة، إلا أن حدوده البيولوجية قيدته فلا يكون أكثر مما هو جسده. نستطيع أن نصف الغريزة بالشيء الكائن الذي لا يحتاج لبناء… الإنسان وكذلك الحيوان، لا يحتاج أن يُضبط بطريقة ما حتى يملك الجوع والخوف والعطش والشهوة الجنسية والرغبة والتعاطف (نعم، التعاطف شيء غريزي وليس بناء سوسيولوجي، ولكن هذا الموضوع يستحق مقال لوحده حتى أناقش معكم بيولوجيا التعاطف). بدت لي الغريزة كشيء قصير المدى، لا يحتاج أي نوع من التعقيد، شيء يُخلق مع جسد الإنسان بلا معايير أخلاقية واجتماعية، حلقة اجتمع فيها الإنسان والحيوان والنبات. شيء يستجيب له الجسد.
بينما مثّل الطفل دونالد الفِطرة التي لم تُنشأ، فحين أُشغلوا بالقرد ونسوا تربية وضبط دونالد، لم ينشأ تلقائيا بطبيعته الإنسانية كما فعل القرد بطبيعته الحيوانية. أيّ نعم، قد نشأ دونالد بغريزته كما القرد، كان يجوع ويبكي ويخاف، لكنه لم يُمثل ما ينبغي أن يكونه الإنسان أو بكلمة أخرى لم يمتلك الطبيعة “الفطرية” وإنما العكس، كان يقلد القرد. هنا، طرحت سؤالي الثاني: إذا كانت “الفطرة” كطبيعة الغريزة، لماذا لم يمتلكها دونالد أو الأطفال المتوحشين الذين تربوا في الأدغال.. وإن افترضنا أن "الفطرة" مرادف لكلمة الطبيعي أو لشيء كائن تلقائي يحدث، لماذا إذن يحتاج أن يُضبط الدماغ ويتربى عليها؟ إذن نستطيع الآن أن نفرق ما بين الكلمتين، الغريزة هي ما يحدث تلقائيًا بينما الفطرة هي ما “ينبغي” أو “يجب” أن يكون. أي بمعنى آخر، أحدهما واقع بيولوجي والآخر تَوقّع ومعيار بنيوي.
لولا ضبط وتربية دونلاد ليتصرف كالإنسان، لما تصرف "بفطرته". ببساطة لأن أدمغتنا تولد غير مُكتملة، ولأن كلمة فطرة جذريًا تناقض آلية اكتمال بنيوية الدماغ، لأنه بمرور الزمن يُبنى، على عكس دماغ الحيوان الذي لا يستغرق كثيرا في البناء لأنه جينيا مُبرمج على بيئة روتينية لا تحتاج إلى ذلك البناء والتطور البشري. قادني كل ذلك لسؤالي الثالث: ما هو الأساس العصبي لكلمة الفطرة البشرية (بما أننا نستبعد أن الفطرة قد تكون حيوانية).
يولد الطفل بدماغ غير مكتمل، ويُبنى دماغه في السنين الأولى حيث تكون الخلايا العصبية في قمة مرونتها وتُكون كم هائل من الوصلات العصبية يصل لملايين الترابطات في أول سنتين من ولادته. وتستمر عملية الترابط مع جميع الإشارات الحِسية التي يلتقطها الطفل من محيطه : اللغة التي يتكلمها، آداب الأكل والطريقة المؤنسنة للتبول والنوم والأكل، عقاب الأهل، حنانهم، تلقينهم تتعدد الأشكال ولكن الأصل واحد، أي نحنُ نقوم ببناء معيار “فِطري” مكتمل يلتقطه الدماغ ويأخذه أصل وأساس ترابطاته.
ولكن لا يقف الأمر هنا، فبعد ما يصل الدماغ لأقصى ترابطاته، يقوم بما يُسمى بالتقليم العصبي، أي يبدأ باقتطاع الترابطات التي لم يستخدمها الدماغ كثيرا في مرحلة البناء. دعونا نعود قليلًا لحالة الطفل في تجربة كيلوغ، عند ذروة الترابطات في دماغه، لم يكن التواصل اللغوي معيارا تربويا، لذلك لم يبني دماغه الترابطات اللغوية اللازمة فاقتطعها، بينما بنى التواصل الجسدي المشابه للقرد باعتباره معيار بنيوي، فكانت هذه “فطرته”
أعتقد ما أحاول إيصاله، بأن كلمة "الفطرة" كما نستخدمها، هي كلمة مرنة نوعا ما، أي أن الدماغ يبني نفسه على معيار معين يتم تنظيمهُ عليه، وبأن آلية البناء هذه طبيعة حتمية للإنسان. ولكن “البناء” بحذ ذاته مرن ومتقلب ومُعتمد كليا على معيار خارجي، سواء كان المجتمع أو المعتقد أو أي إطار يؤسس أخلاقيات وكونية الإنسان، لأن الأمر لا يقتصر على أخلاقيات الأكل والجلوس ولكن تكبر هذه المعايير مع الإنسان، فتصل لأخلاقيات التصرف والاعتقاد وأخلاقيات الفرد مع المجتمع، لذا من الحتمي للبعض أحيانا أن يأخذ كلمة الفطرة ويغرس فيها معاني أخلاقية واجتماعية… فعلم الأعصاب بحد ذاته، لا يستخدم كلمة الفطرة كمعيار بيولوجي أو فسيولوجي، لأنه مدرك للمساحة المبهمة في تلك الكلمة التي قد تحمل معها معاني عديدة.
أسئلة الطبيعة البشرية أكبر وأعقد من أن تُقلص لإجابة وتفسير واحدة. سيبقى السؤال الأزلي هذا يحتمل عدة أجوبة، وسيرحل الإنسان وسيأتي ابنه ثم حفيده ليسأل نفس السؤال، لماذا وكيف ومتى. تجربة كيلوغ متواضعة وصغيرة مقارنة بمئات الدراسات عن الطبيعة العصبية في سياق التنشئة ، لذا ما كتبته يضيء جابنًا واحدًا من هذه الدراسات ولا يختصر كل ذلك ولا يحاول أن يكون كذلك.
- لارا غاندي
لدعم كتاباتي، تقدر تشتري لي فنجان قهوة من هنا ☕ :)
المراجعات:
كيلوغ و.ن. (١٩٣٣). القرد والطفل: دراسة في البيئة والوراثة. نيويورك، دار ماكغرو هيل.
كورتس، س. (١٩٧٧). جيني: دراسة سيكولغوية لطفلة متوحشة في العصر الحديث. نيويورك دار أكاديمك بريس.
إيغلمان د. (٢٠٠٥) كتاب الدماغ: قصة حياتك،دار باثينون (الفصل الأول).
توماسيلو، م (٢٠١٦) التاريخ الطبيعي للأخلاق البشرية. كامبردج، مطبعة جامعة هارفرد.


حسب رؤيتي ومعرفتي الحالية؛ أرى أن الفطرة والغريزة ينفصلان من حيث المنطلق؛ فليست الغريزة في مفهومي موطناً للشهوة، بل إن محددات الشهوة تسمو فوقها، ليكون هناك منطلقٌ ثابتٌ يحدد كنه الغريزة لدى كل كائن. وإذ ندرج الغريزة -في عرفنا- ضمن الطبع الحيواني، فإن هذا لا يعني استئثار الإنسان بالفطرة وحده!
فالفطرة عندي هي (الارتهان السليم نحو الرغبة)؛ فمن فطرة الطفل أن يقتات باللبن أولاً لا بالعسل. وحين يبلغ المرءُ مرافئ الوعي، تتطور الغريزة بتكييفٍ من العقل، فيُولد الاختيار. فإذا كانت الغريزة هي (الغذاء) بوصفه ضرورةً ولازماً وحاجة، فإن الاختيار يأتي تالياً للفطرة كفرعٍ من الأصناف، به يتميز الوعي بذاته.
وتبسيطاً لهذا المفهوم؛ أرى الغريزة والفطرة كخطين لا يتوازيان، بل يلتويان ويتداخلان؛ فالفطرة تقود الذكر نحو الأنثى في مسارٍ سليم، والغريزة تطلب البقاء عبر بوابة التكاثر، ولإتمام هذا المسعى تقوده الفطرة بآلياتٍ فسيولوجية محكمة. فلا يمكننا أن نفصل بينهما فصلاً تاماً، إذ يتقدم أحدهما على الآخر في مواضع، ويتلوه في أخرى.
وأعتقد أن من قسر المعرفة الحالية حصر (الغريزة) في الجانب الحيواني -وبالتالي الجانب المادي في الإنسان- وتخصيص (الفطرة) للجانب الواعي المُهذب؛ فهذا التقسيم يشير بحدة إلى فرضية بدائية الخلق الحيواني فينا -وفق الرؤية الدارونية- ثم مجيء الفطرة كطورٍ لاحق من التطور، بهذا فحتى المجتمعات المسلمة نؤيد نظرية داروين في تداولها للافكار، وتنفيها في ذات الوقت "تناقضات لاواعية".
بينما أراهما في معرفتي الحالية متداخلين يكمل أحدهما الآخر؛ فـ (الغريزة هي مَطلب البقاء، والفطرة هي اتجاه البقاء). وإن محاولتنا لتخصيص كل منهما بمعزل عن الآخر هي محاولة علمية لـ (فصل اللامفصول) وجعله عينة دراسية فحسب. ولربما كانت المسألة مجرد مصطلحات متداولة، بينما تظل الفطرة بمعناها الأصح قيد البحث، أو لعلها تُسمى في محطة علمية أخرى بـ (الغريزة الواعية).
هذا مجرد تأمل أثارته كلماتك، ولا أجزم بصوابه أو خطئه، بل هو فكرٌ استحثه موضوعك
مبدعة