الرأس المفكك: النظرية الجراحية في زراعة أدمغة البشر
*ملاحظة: كانت هذه المقالة مغلقة خلف اشتراك. وأصبحت الآن متاحة للجميع مع التسجيل الصوتي الكامل. شكرا كثيرا لكل من دعمها مسبقا، وأتمنى أن تعجبكم المقالة !
للاستماع للمقالة، مسجلة بصوت أحد القارئات:
تخيل معي، عزيزي القارئ، أنك في الغرفة الجراحية مع مئة وثلاثين جراحًا بأقمشتهم الزرقاء والأجهزة التي تزاحم الغرفة وقراءات الأكسجين والضغط، رائحة المعقمات، طنين القراءات، تقف هناك في الزاوية لترى المشهد أمامك بالضبط كما هو. والآن أريدك أن تتخيل معي أن هناك رأسًا بشريًا شاحبًا، مُفرغ من الدم، ومُثبت داخل حلقة معدنية ثلاثية الدبابيس ومُعلق برافعة، نعم، رأس حي ومنفصل عن جسده. لم تكتمل الصورة بعد، فعلى الطاولة الجراحية يوجد الجسد الدافئ بالدم للمتبرع الميت دماغيًا، منفصل عن رأسه ومُثبت في وضعية الجلوس، والعروق والدماء والأوعية والحبل الشوكي المكشوف. لا تزال أنت في الزواية، حين يتجه الجراح نحو الرافعة ويبدأ بتنزيل الرأس شيئا فشيئا بأشرطة فيلكرو طويلة باتجاه عنق المتبرع ليستعد ويبدأ بربط الاثنين، فيرجع تدفق الدم إلى الرأس الذي كان معلقًا.
من حقًا سيكون موجودًا في ذلك الجسد الآن؟ وماذا تقول لنا هذه النظرية عن الفردية البشرية والجسدية؟ أين نكون “نحن” بالضبط إذا استطعنا ببساطة أن نفكك ونزرع الأجزاء، أتساءل وأنا أكتب، هل نحن ببساطة فقط أدمغتنا أم أننا أيضًا أعضاء أجسادنا وهرموناتنا وخلايانا؟ حين أقرأ هذه النظرية الجراحية، أظن أنها فكرة ممتازة جدا لرواية في الخيال العلمي كما هي رواية فرانكنشتاين، فالتخيل البصري للعملية صادم، رأس حي مُعلق مفرغ من الدم، جسد ميت دماغيًا دافئ، وحياة جسدية يعاد تركيبها جراحيا، ولكن الواقع أن هذه الفكرة ليست إطلاقا في الخيال العلمي، ولكنها نُشرت في عام ٢٠١٣ للجراح الإيطالي سيرجيو كانافيرو في مجلة Surgical Neurology International.
لا تفارقني صدمة هذه الصورة وأنا أكتب، وسنتطرق للأساس الجراحي الذي يسمح للدماغ أن يكون منفصلًا لمدة معينة ولا يموت ولكن الآن أريد أن أقف قليلا، لأننا، نحن الكُتاب، لا نكف عن التخيلات، أتساءل هل بعد مئة سنة سيصل العِلم إلى تقنية تبريد عميق قد تحفظ أعضاء الأجساد منفردة بلا أن تتلف لمدة طويلة جدا؟ وأعود لسؤالي الأول، ماذا فعلًا قد يقول لنا ذلك عن وحدودية الإنسان؟ أتساءل إذا سيصل العلم يوما لتقنيات تسمح له أن يربط أعضاء خمسة أجساد في واحد، وحينها من الذي سينجو فعلا، إذا كُنا فعلا فقط أدمغتنا، أين ستذهب هويتنا الجسدية؟ أحيانا نستخدم كلمة “الخيال العِلمي” لنصف شيئًا يخترق الواقع، ولكن أريد أن أتحدى هذه الفكرة قليلا، لأن الواقع بحد ذاته غير ثابت ولأن الخيال هو الذي يتحكم في الواقع، ولأن أكثر ما نملكه الآن كان يوما صورة في ذهن شخص. ولأن الواقع، برأيي، ليس حقيقة فيزيائية ثابتة، وإذ لم يكن كذلك، فهو مرن جدا أمام سلطة الأحلام والخيالات.
صادفتُ هذه النظرية الجراحية للمرة الأولى في طفولتي، كنت حينها لا أزال في المتوسطة، أعطتنا مُدرسة اللغة الإنجليزية الحرية الكاملة لاختيار أي موضوع لتقديمه أمام الصف، حينها لم أفهم الجسد البيولوجي كفاية لأشرح النظرية بجدية ولكنها لم تفارق دهشتي لذلك اخترتها. والآن بعدما دخلت كلية الطب، أعود إلى دهشتي الأولى وفضولي الأول، لأقدم لكم هذه النظرية المرعبة والطائشة بمعرفة فسيولوجية لنظرية الجراح كانافيرو فعلاً. الحقيقة، أن هذه النظرية لم تبدأ من كانافيرو! ولذلك قبل أن ندخل لغرفة العمليات وأُفصّل لكم السردية الجراحية لدراسة كانافيرو، لا بد أن نبدأ بالتاريخ الطبي الذي مهد له هذا المسار.
في سبعينات وثمانينات القرن الثامن عشر، قدم الطبيب لويجي غالفاني الفكرة الأولى جراحيا أنك تستطيع تجميع أنسجة وخلايا ميتة ثم تصعقها كهربائيا، فينتج من ذلك حركة. وتوصل لذلك حينما كانت عضلات سيقان الضفادع الميتة ترتعش عند ملامستها للشحنة الكهربائية، وليتأكد غالفاني من نظريته، بدأ يعلق أرجل الضفادع بخطافات نحاسية أثناء العواصف ولاحظ فعلا أنها كانت تتشنج وترتعش. ومن هنا، ابتدأت فكرة أن للأعصاب شحنات كهربائية فِطرية. وفي عام ١٩٠٨ أجرى الطبيب تشارلز غوثري عملية زراعة رأس على كلب، وخرج من ذلك بكلب يحتوي رأسين، ورغم صعوبة تصور الإنسانية في ذلك المنظر إلا أن تجربته كانت جوهرية في إثبات أنك تستطيع أن تُبقي الرأس المفصول حيًا حين توصله بالدوران الدوري. ومن ثم أتى الجراح روبرت وايت، في عام ١٩٧٠ قام بزراعة الرأس على قِرة الريسوس التي نجحت نسبيًا، ولكن عبقرية وايت كانت فعلا في أنه استخدم أنابيب سبلاستيكية في نهايات الأوعية بحيث يستمر الدم بالوصول إلى الرأس أثناء نقله.
أخرج من هذا التاريخ بالكثير من الأسئلة، لكن سأحددها في ثلاثة، الأول٬ كيف لا يموت الدماغ بمجرد ما يتم فصله؟ والثاني، إذا كانت هناك فعلا هذه الطريقة لنقل الرأس من دون أن يموت الدماغ، ما الذي يردع تكوّن آلية جراحية ناجحة حاليا في زراعة الرأس؟ وثالثًا، ما هي “الإجابة الجراحية الذهبية” التي يطرحها الجراح كانافيرو في دراسته؟
لإجابة السؤال الأول، نعود لأساسيات بسيطة في علم الأحياء، الميتوكوندريا. الميتوكوندريا تستهلك الأكسجين والجلوكوز في عملية الأيض، والحرارة من أهم العوامل التي تحدد سرعة الأيض هذه، ولذلك فالمعدل الأيضي للدماغ في درجة حرارة ٣٧ْ سريع كفاية ليموت الدماغ حينما يتم فصله عن الجسد، فكيف إذن لم يمت؟ الحل الجوهري الذي توصل إليه علم الجراحة هو خفض سرعة الأيض في الدماغ، أي التبريد العميق، إذا خفضنا درجة الحرارة إلى ١٥ ْ عبر خوذات التبريد، ينخفض المعدل الأيضي للدماغ إلى نحو ١٠٪ فقط من طبيعته، فتتباطأ نسبة التلف الخلوي وبالمقابل يعطي ذلك الجراحين وقتًا ما يعادل ساعة ليقوموا بعملهم قبل أن يموت الدماغ.
أما فالسؤال الثاني، ما الذي يردع أن تتكون آلية جراحية ناجحة حاليا في زراعة الرأس بما أننا جراحيا نستطيع أن نبطئ عملية الأيض في الدماغ؟ ماذا كان ذلك الجدار البيولوجي؟ الجهاز العصبي المركزي CNS) فحين تفصل الدماغ عن جسده، ورغم قدرتك على إبقاءه حيا لمدة ساعة، إلا أنه في تلك المدة، سيصبح الجهاز العصبي المركزي خارج نطاق الإصلاح، لأن الحبل الشوكي لن يكون قابلًا أن يُعاد وصله وصله بطريقة تعيد الحركة، فالإشارات العصبية ما بين الدماغ والجسد تتلف، وبذلك ينتج شلل جسدي كلي.
نستطيع أن نرى الآن، أن الخيال التصوري في زراعة الرأس لم يستطع أن يخترق الحقيقة البيولوجية للدماغ كليا، أيّ نعم، تستطيع أن تفصله لمدة ولكنك بذلك قد دمرت كليا الإشارات العصبية التي تربط الدماغ والجسد ومن هنا توقفت نوعا ما التطورات في فكرة “زراعة الرأس أو الجسد” ولكن وبعد انقطاع طويل أمام هذا الجدار البيولوجي، نشر سيرجيو كانافيرو دراسته في عام ٢٠١٣ التي تُدعى ب HEAVEN وما يشير إليه هذا الاسم هي الخطوات الجراحية التي يعد بها كانافيرو والتي يكتب بأنها الحل الذهبي للجدار الذي واجهه كل من كان قبله في عملية الزراعة هذه وأضاف إلى ذلك أن الإجابة لحل إعادة توصيل طرفي الحبال الشوكية هو ما سماه بطريقة GEMINI. وحتى الآن وفي هذه اللحظة التي أكتب لكم، لا تزال “جيميني وهيفين” أقرب للخيال العلمي من الحقيقة الجراحية.
إذن ما هي الخطوات الجراحية؟ اعتمد كانافيرو مبدئيا جميع ما توصل إليه روبرت وما قبله من الجراحين ولكن فكرته الجوهرية هي أنه لا يكفي فقط أن نُبقي الرأس حيا عبر التبريد ولكن أيضا يجب أن نقطع الحبل الشوكي بطريقة “نظيفة” ! بعد ما توصلنا بصريا للمنظر الجراحي في الفقرة الأولى، أريدك أن تعود، عزيزي القارئ إلى هذه الغرفة الجراحية وتتبع الخطوات لدراسة كانافيرو. يبدأ الجراحون في تخدير جثة المتبرع التي هي تقنيا لا تزال حية بيولوجيا، ومن ثم يخدر رأس المريض ويُرفع برافعة حديدية. بعد ذلك سينقسم الفريق الطبي الذي يتكون من ١٣٠ جراح إلى فريقين، فريق يعمل على قطع رأس المريض وعزله من دوران الدم كليا مع التبريد. والآخر على جسد المتبرع. توضع جميع الأجهزة التي قد تتوقعها، أقطاب لقياس الأكسجين، الضغط، تخطيط القلب… ثم يثبتان الاثنين، جسد المتبرع ورأس المريض في وضعية حيث يواجهان بعضهما. تكاد تضيع مني الكلمات لأصف شعور هذه اللحظة، هل يقول جسد المتبرع إذن، هاك، خذ حياتي الجسدية التي عشتها، والذكريات، والأنسجة أم هل يقول رأس المريض، أين سيُرمى جسدي القديم؟ هل هو فقط رأسه؟
بعدما يتواجهان، يبدأ الجراحون بقطع رأس المتبرع، ومن ثم قطع الأعصاب والشرايين والعضلات، يبدأون حينها في وضع علامات ملونة عليها لإعادة وصلها لاحقا، ومن بعدها تبدأ آلية “جيميني” يقطع الجراحون الحبل الشوكي لدى المتبرع بقطع “نظيف” بطرح كانافيرو، ليكون أكثر قابلية للدمج لاحقا. بعد ذلك القطع، يبدأ برفع رأس المريض بواسطة هذه الرافعة. هنا يبدأ سباق الزمن، فبمجرد ما يُفصل رأس، لديهم ساعة واحدة بالضبط ليحاولوا دمج الحبلين الشوكيين بطريقة “جيميني” قبل أن يموت الدماغ.
كيف سيشبكون الحبلين إذن؟ بحقن مادة قريبة للجيل، تحتوي مركبات لاحمة للأغشية وأهمها مادة PEG البولي إيثيلين غلايكول والكيتوسان، تقوم هذه المحاليل المُحبة للماء بتفكيك البنية للأغشية وإعادة تنظيمها لاحقا أي “تُصلح” الأغشية التي تم تدميرها خلال ١٥ دقيقة! وحينما يُثبت الرأس على الجسد، سيتدفق دم المتبرع نحو رأس المريض.
ولكن رغم كل ذلك، لا يزال هناك ألف جدار بيولوجي، حينما تقطع ملايين الأسلاك العصبية وتعيد “لحمها” مع بعض، ما الذي يضمن أن تلك الأعصاب ستلتحم بالطريقة الصحيحة؟ كيف ستعرف الخلايا العصبية أن تتصل بالطريقة الصحيحة؟ ما الذي يضمن أنه لم يصبح هناك تقاطع وتجاوز ما بين المشابك العصبية؟ يرد كانافيرو في بحثه أنه لا يستطيع أن يضمن ذلك… من المتوقع، مثلا، أن تكون الإشارة المرسلة لتحريك الساق اليسرى، تُفعّل العضلات الحركية في اليد اليسرى والساق اليمنى. يكتب كانافيرو في ورقته من الممكن أن ١٠ ٪ فقط من المسارات الشوكية ترتبط صحيحا، والباقي سيكون دور الدماغ أن يصلحه بنفسه عن طريق المرونة العصبية. أنا أعتقد هنا، بأن طرحه أكبر من الواقع البيولوجي للدماغ، نعم الدماغ قادر على أن يصلح نفسه ونرى ذلك كثيرا في الجلطات والأورام العصبية ولكن هو يقارن ذلك التلف بتلف عصبي كامل يُقاطع ٩٠٪ من المسارات العصبية الشوكية.
لم يتم تجربة كل ذلك على إنسان حي حتى الآن، ادعى كانافيرو وفريقه إجراء العملية على قِرد بقي حيا لمدة ٢٠ ساعة بعد الإجراء ومن ثم جرّب الأمر على جثث، وطرح بأن الآلية الجراحية كانت “ناجحة”. قد وقع أحد المرضى على احتمال الخضوع لتلك الجراحة التجريبية قديما، فاليري سبيريدونوف، مصاب بمرض وردينغ-هوفمان وهو مرض هزال، الضمور العضلي الشوكي، ولكن بعد فترة زمنية، تزوج وأراد أن يبدأ حياته مع عائلته فتراجع عن توقيعه. أريد للقارئ أن يتذكر الآن بأننا بعد كل تلك الأوصاف الجراحية، لا نزال نتحدث عن إنسان بشري، عن حياة وعائلة وبيت وتاريخ قبل أن نتحدث فقط عن شرايين وأوعية تخضع لتجربة “غريبة”.
طرح كانافيرو لا يزال أقرب للخيال العلمي، وربما الآن هذا الخيال بعيد جدا عن حقيقتنا البيولوجية وأتمنى أن يبقى كذلك، لأنه إذا لم يكن كذلك، لن نواجه فقط الجدار البيولوجي، سنواجه الكثير من الجدران الأخلاقية. ماذا يعني كل ذلك حين نتكلم عن القدسية الجسدية للإنسان، لا أعلم. ولكنني أعلم أن “جسد المتبرع” هو جسد لشخص كان صديقًا، حبيبًا، أمًا، أبًا، ولا أعلم ما الذي قد يعنيه ذلك حين ترى جسد من فارقته برأس غريب عنك. وأعلم أيضا أن “رأس المريض” لا يقل قدسية عن جسده وإن كان يعاني من التلف وبأن الحل لا بد ألا يكون برمي جسده كاملًا كأن شيئًا لم يكن. ولعلي أتجه الآن للخطاب العاطفي ولكن قبل كل المصطلحات الجراحية ، يوجد الإنسان، والإنسان ليس مجرد رأسه.
-لارا غاندي
حساب قارئة هذه المقالة: qn



المقالة تلمس وتراً حساساً يجمع بين رعب الجسد والفلسفة الوجودية.
فكرة أن الهوية قد لا تكون حبيسة الدماغ وحده، بل هي نتاج تكامل الجسد كله بهرموناته وخلاياه، تفتح آفاقاً مرعبة ومشوقة في آن واحد.
طرح ممتع ومثير للجدل. إذا نجحت هذه الجراحة يوماً ما، سنكون أمام معضلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة:
من هو الشخص الحقيقي؟ صاحب الدماغ أم صاحب الجسد؟
المقال يثبت فعلاً أن الواقع أحياناً يتفوق على أغرب التخيلات. شكراً على هذا المحتوى الإبداعي.
لا أتحدث بهذا الشكل عادةً عن أي حصيل ثوري علمي ، لكن هذا بالتحديد..
مريع بطريقة مذهلة
شكراً على المشاركة