رحيل الذكريات حيث الضِفاف: عمل روائي
أعود هنا أعتذر لغيابي عنكم. أخذت مني هذه الأشهر الماضية جميع ما أملك من طاقتي للفن، لم أكتب كثيرا ولكنني كُنت أردد الكلمات والجُمل مع نفسي وسط قاعات المحاضرة، في الطرق، حينما يأتي الأرق، بين التلاميذ، وأنا جالسة بين أوراق الفسيولوجي ومحاضرات الكيمياء… والآن بعدما بدأ يختنق جسدي من كل تلك الجُمل التي لم تُكتب، أعود هنا مجددًا، أمام الحاسوب، بشراهة للكتابة من جديد.
الذكريات. كان أول عمل مقالي أشارككم إياه عن فقدان الذكريات، وبعد مرور سنتين على فقدان أبي شعرتُ بثقل الذكريات أكثر فأكثر، اجتاحني خوفٌ من مرور الذكريات مع مرور الوقت. هذه الأشهر كلما أصابني البرد، عُدت إلى أقصى الزمان وإلى طفولتي وإلى حضن أبي وأمي. انفصلت كثيرا عن الواقع، كُنت أجلس وسط الكثيرين ولكنني لا أكون بينهم وإنما في مطعم قديم تم غلقه منذ سنين. بدت لي الذاكرة هي الشيء والمكان الوحيد الذي يحتضن كل ما قد رحل وتلاشى.
ولذلك هنا، أريدُ أن أشارككم عملًا شبه روائي فيه الكثير من ضياعي وحنيني وخوفي. ربما قد يكون هذا العمل يختلف قليلا عمّا اعتدتم عليه مني، ولكن بعد غياب طويل، لا أرى من المناسب أن أشارككم إلا عملًا فيه شيء من قلبي.
رحيل الذكريات حيث الضِفاف.
غدا سأذهب إلى غرفة بيضاء باردة، سأجلس أمام رجل بمعطف أبيض، وسيقول لي بصوت هادئ وكأننا نُناقش لون الأقمشة بأنني في بداية فقداني للذاكرة. الذاكرة، الذاكرة… نعم، الذاكرة، كيف لكلمة عاطفية وثقيلة كهذه أن تُستعمل في إطار مهني مَرضيّ بارد؟
غدًا سأشكره على التشخيص، وأدفع رسوم الدخول، سأعود لسيارتي، وأقود لأقرب متجر لأشتري كيسًا من العنب لابتني، ومن ثم سأعود للبيت، سأذهب إلى زوجتي، ثم أولادي وسأقول لهم بأنني سأنساكم قريبا، و بأن معي كيس من العنب كما طلبتِ، عزيزتي. أكتبُ الآن وأنا جالسٌ على شرفة المنزل، لا أفكر بشيء إطلاقًا. أريدُ أن أرتمي إلى حضن أبٍ، وأريدُ صحن تفاح مقشر بيد أمٍ.
وفي بدايات الصباح، قبل أن تأتي الشمسُ الصارخة، أخذتُ معطفي وانطلقتُ لزيارة أبي، لدي الكثيرُ لأقول له، ولا شيء لأقوله في العيادة الباردة. لم أزر أبي كل تلك السنين، لم أزره بجسدي، ولكنني طالما جلستُ معه وتحدثنا في مكان ما بداخلي، ربما في قلبي، أم في رأسي، أم افي الروح حيثما تكون. لا أثق بأن ما في رأسي كافٍ اليوم لأن أرى فيه أبي. أحتاجُ شيئًا صلبًا لا يتلاشى كما هي الذكريات، أحتاج أبي حتى وإن كان حجرًا. وحين وصلت، جلست بظهري خلف ذلك الحجر. هل تتذكرني يا أبي؟ حينما كنتُ طفلا، سألته. لا بد أنك تتذكر، أريدك أن تتذكرني اليوم، قد عشتُ حياة طويلة بعدك، صرتُ أنا أبًا، وحبيبًا وصديقًا… نعم، صرتُ الكثير من الأشياء، ولكنني لم أكن يومًا منهم ابنًا وطفلًا بعدما رَحلتْ. أيحق لي أن أرغب بذلك اليوم، أن أجلس هنا بجانب من يتذكرني وأنا طفل؟ أيحق لي أن أقيمَ لك عزاء آخر قبل فقدان ذكراك، هل ستموت مرة ثانية؟ أخذتُ بعضا من الطين بين يَدي ثم مشيتُ إلى سيارتي التي ظننتُ بأنني ركنتها خلف الأشجار، أخذ مني الوقت عشر دقائق حتى وجدت أن السيارة كانت بقرب البوابة.
في اليوم التالي، ذهبت إلى العيادة بعد تمنعي العنيد أمس. تدقُ الساعة بصوت عالٍ، كرسي الجلد الأسود أضعف من أن يحمل كل مخاوفي في وقت كهذا، قالت لي السكرتيرة أن دوري قادم بعد بضع دقائق. ماذا أنتظر؟ مواساة؟ عزاء؟ علبة من الحبوب؟ تُذكرني الحبوب بحقيبة من النايلون، كان يضعها أبي بجانب فراشه، الكثير والكثير من العِلب، وفي العصر حينما تكون الغرفة فارغة، كُنت أتسللُ هناك وآخذ الحقيبة في حضني، بداخلها علبة فيتامينات على شكل حلوى هلامية، بألوان متعددة، أحمر، أخضر، أصفر. ولا بد ألا أكون بخيلًا وأنا أسرق، كنت لا آخذ ما يقل عن ثلاثة قطع قبل أن أركض. أستاذ أحمد، تفضل.أتى صوتها يخترقني. دخلت ومعطفي بيدي، والخوف لا يزال جالسًا على الكرسي ينتظرني.
صباح الخير وكيف حالك اليوم، رحب بي الطبيب، شعرتُ حينها ببلادة المكان. نعم، كما كنا متوقعين ونأسف لأنك تُظهر علامات طفيفة لبداية الخرف، الاختبار يُظهر لي أداءً أقل من المتوقع، ولكنني لا أريد أن أستبعد الضمور حاليًا… طالت الجلسة، ظل يقودني ويأخذني بكلمات أكبر من معرفتي، وحينها اجتاحتني رغبة صبيانية ضعيفة بأن أسأله، دكتور، أين ستذهب الذكريات إذن؟ ورغم ذلك سألته، ماذا الآن؟ أجابني كما توقعت، لا أملك علاجًا قد يمنع الخرف، ولكننا نستطيع أن نسيطر عليه نوعا ما ليكون أبطأ، ذلك الخطاب الذي نسمعه دائما حينما لا يوجد جواب، قلل من التدخين، أمشِ، تمارين خفيفة. شكرا لك، نعم سأعود كل شهر، قلتُ قبل أن أرحل. المُضحك حينها، بأنني بعد سُخريتي من النصائح، فعلتُ بالضبط ما قيل لي. رويتُ لزوجتي وأولادي زيارة الطبيب، قال لي علي أن أمشي وأخفف من الدخان، وشعرت وأنا أروي بأملهم الطفولي، بأنني حقا قد أتغلب على المرض إذا مشيت.
ولذلك بدأت أمشي في الشوارع القريبة من بيتنا. أين ستذهب الذكريات، يا دكتور؟ المحزن أنني لا أزال أريدُ أن أسأله، هل سأذهب أنا مع الذكريات إذن؟ أين سيذهب بيتي القديم؟ المطبخ الذي بوسطه طاولة مستطيلة سوداء، وورد الغاردينيا الذي كانت تضعه أمي وسط الصحون بيننا، والأرض الخشبية الملطخة بأقدام كلبنا الذي كان يركض حول المائدة، هل كان يدري الطبيب بأن كلمة الذكريات كانت تحمل صوت أبي والحديقة القديمة ويد جدي؟
عدتُ في المساء إلى المتجر الذي اشتريتُ منه أمس، قد أصبح هذا المتجر رفيقًا لي ولعائلتي كل تلك السنين، صاحبه رجل مسن وهو كذلك رفيقي رغم صمته. أدفع العربة أمامي بين رفوف المخللات والعِلب ، لا أعرف ماذا أريد بالضبط. مشيتُ ومشيت، كان الرجل المسن قد وضع صندوقا خشبيا كبيرا من المشمش في المنتصف، فاكهة بغداد عند مطلع الصيف، حين كان يجتمع البعيد والقريب من الأهل في البستان، يقطفون منه ويجلسون لساعات يتعاتبون، يضحكون ويقطعون الفاكهة لبعض. أخذت كيسًا حينها، هل كنت سآخذ الكيس لو لم أمتلك تلك الذكرى؟ كانت تجلس جدتي على الزرع، تقطع لي من المشمس وتلعب بخصلات شعري، اسم الله عليك، أروحلك فدوة، تردد لي ولباقي الصغار الذين كانوا يركضون في كل الأرجاء.
قد بدت لي ذكرى جدتي بعيدة، أبعد من صوت أبي، أتذكر العروق في يديها الرقيقة ولكن صوتها الحنون بعيد جدا. كيف يصف الإنسان صوت الحبيب؟ قد كان صوت أبي دافئا، وما هو صوت الدفء؟ لا بد أن الصوت هو أقرب شيء للروح، يأتي من أعمق ما في أجسادنا، يئن حين نتألم، ينكسر حين نبكي، يغني في الفرح، ويئن وينوح كثيرا وكثيرا في العزاء. لا زلت أمشي في المتجر، برلين لا تشبه طفولتي في العراق، وحزن برلين لا يشبه أنين ويأس بغداد. كيف أصف لصاحب المتجر هنا بأننا حين نتألم نقول آوف يا يمه، روحي تلوب. أوف، أنين الفلاح العراقي على الضفاف، أوف، حين يبتدئ المغني العراقي، أوف، الصوت الذي انهزم به جسدي حين رحل أبي. ربما من الرحمة بأنني لن أتذكر كل ذلك الأنين قريبا وأنني سأغترب مجددا وللمرة الأخيرة. رحلت ومعي أكياس المشتريات وزجاجة من النبيذ، احتفالا ووداعا للحزن القديم.
أخذتُ من جيبي الوَصل وبدأتُ أكتب لائحة اليوم. أريد ١. دمية الأرنب التي كنت أنام عليها في طفولتي ٢. صوت أكياس الهدايا حينما يعود أبي من السفر ٣. أن أمشي حافي القدمين قريبا من نهر دجلة ٤. أن أختبئ بين أحضان أمي ٥. القهوة التركية التي تقدمها خالتي ٦. أن أمشي على البحر ٧. أن أتذكر صوت جدتي. ومن بين السبع أمنيات، كنت قادرا على أمشي على البحر وبذلك، ركبت السيارة وإلى البحر كانت وجهتي.
المياه باردة على قدميّ. نادرا ما ذهبتُ إلى البحر، والآن برودة الموج والرياح على خدي والأحجار الصغيرة رقيقة تحتي، أتساءل لماذا لم آتِ هنا أكثر؟ يبدو لي البحر دائما هنا، كما هو، قبل مئة سنة واليوم، يرقص بلا نهاية مع الرياح، يبدو لي بأنه يحتضن الأرض والحزن ويرقص ويرقص. مشيتُ نحوه أكثر، كم تمنيت حينها أن أصبح واحدًا مع البحر، أن أبقى كما أنا حيث مئات الأعوام. قد وصلت المياه إلى ركبتي تُقبّل جسدي، فمشيتُ حتى وصلت إلى عُنقي، ما أوسع البحر، يحمل في طياته الأبدية، وفي لحظتها سمحتُ للبحر أن يرقص إلى صدري ويحملني برقة إلى أعماقه، حيث أبي ينادي، حيث الذكريات، أينما سترحل.
أشارك معكم مقطوعة قصيرة من أغنية عراقية: ها خوية، بصوت المغني كرار نوري وقيادة المايسترو علاء مجيد. حين استمعت للأغنية شعرت بصوت وأنين ونوح الإنسان حينما يفقد ما يعز عليه، وبأنين بطل الرواية، أحمد، وهو يفقد أبيه وذكرياته. وأخيرا، بأنيني وفقدي أنا.


قرأت مقالك مع أول ضوء، وفنجان الشاي يبرد بين راحتيّ. قد لا أفقه شيئًا عن الخرف، لكني أفقه جيدًا الخوف مما يبقى منا بعد أن تسقط الذكريات.
دمعة هوت على آخر حرف.
دائما مبدعة عزيزتي لارا❤️
سبحان الله! من مدة وأنا أحاول كتابة قصة قصيرة عن الخرف، او الشيخوخة المبكرة، أو أيّ شيء يمسّ ذات الذاكرة! ولم أقرأ لك كثيرا، أبدا، والآن سقطت على نصك كالمتلصص للمتعة، لأجدني غارقة في الأسى، والحنين أيضا! موفقة في عملك الروائي. وأتمنى أن لا يتفذ محصورك الأدبي أبدا!