المزدوج في الأرض الثابتة، الجزء الأول
هل من العدل، إذن، أن يُزدوج كل شيء احتراما للمرض؟ هل من العدل أن يصبح الدواء علاج وطمس؟
ضَربت داليا كأس الزجاج على الأرض، تشظى البلور على حافة البلاط وعلى قَدميها، ثم أطاحت بالكأس الآخر والذي بعده هي تصرخ بأعلى ما تملك وتُردد ألحان النوتة الموسيقية من على الراديو في الصالة المجاورة. أيقظ الضجيجُ آدم حتى لحقها إلى المطبخ. وقف في الزاوية مشمئرًا لا يتحرك، والمشهدُ أمامه يتسرب… بلور الزجاج مُنعكس في كل أرجاء المطبخ، داليا حافية القدمين، مُنتصف الليل، الصياح، الراديو المشوش بصوت أم كلثوم، عشاء الليلة مُلطخ على الجدار والبلاط، الضوء الفلوري الباهت. ظل واقفا يشاهدُها، يريد أن يتقدم ولا يقدر.
حتى اقترب إليها، وبصوت خافت ردد لها، هذا أنا، أرجوكِ توقفي للحظة، داليا! اسمعيني، داليا اتركي الكأس. وما كاد ينطق آخر كلمة حتى وضعت الكأس المتبقي على الطاولة وحطمت المزهرية بجانبها، ابتعد عني! وغد! وغد! هتفت. بدأت أصوات أقدام الصغار تصل للمطبخ، وهم يقومون من فراشهم ليتتبعوا ما يحدث. ومن هلع آدم صَفق الباب وأسند ظهره عليه.
هدأت الغرفة حين سمعت داليا أصواتهم، وامتلأت بصوت أنين ودموع داليا التي انحنت على ركبتيها في الأرض الباردة المُتشظية. صرخت الصغيرة تناديهم وهي تخبط على الباب تكرارا وخلفها أخوها يرتعش، مسكت بقميص أخيها تُهدئه وبيدها الأخرى حاولت أن تدفع الباب “حبيبتي لا شيء، ارجعوا للفراش” نهد آدم وهو يسند بكل قوته على الباب بينما ظلت تبكي الصغيرة وهي تطرق الباب بكل ما لديها. ردت عليها داليا وهي تصيح، لا شيء يحدث، حبيبتي ارجعوا للغرفة، وعينيها تتهرب من عيني آدم.
لم يتأكد آدم إن رجعوا الأطفال لغرفهم أم ظلوا صامتين خلف الباب، ورغم ذلك، لم يُرد أن يفتح الباب، خِشية من أن يروا حال المطبخ. سألها، أو ربما اتهمها، هل أخذتِ الحبوب اليوم؟ هَمس وهو يبحث بعينيه عن ظروف الدواء على كاونتر المطبخ. ظلت داليا جالسة على البلاط، مغطية وجهها بين كفيها. مشى بحذر إلى الجوارير ليبحث عن الأدوية التي وصفها الطبيب لهما في آخر زيارة، وحين جرها، رأى كُتلة من الحبوب مُخبأة بداخل مناديل وأوراق. طرق الدرجُ وهو يردد إلى متى؟ إلى متى؟ سرعان ما فتح الباب ليخرج، ليرى أن الصغيرين لا يزالان واقفين على الباب.
صباح اليوم التالي، جلسوا كالمعتاد حول المائدة، الصمتُ أثقل منهم، والأرق لا يزال في أعينهم. أخذت تسكب العصير لهم، مع عسل لطفلتها الكبرى كما تحب، وحليب للصغير لأنه لا يحب البرتقال، وكوب شاي لآدم مع قرفة، قد حفظت داليا كل تفاصيلهم بمرور السنين، كمية الملح التي يفضلونها، أوقات جوعهم، الفاكهة التي يشتهونها في كل موسم… كان لابد لها أن تعود لدوامة الحياة الروتينية هذه التي تهتم للطعام ولون الوسائد والأغنية على الراديو، كان لا بد لها أن تُعطي ظهرها لما حدث في الأمس والشهر الماضي والذي قبله. وكان على آدم والطفلين في المقابل أن يروا داليا في مثل الأيام هذه ما بعد العاصفة، تجول حول المنزل، ترقص، تضحك، تتحاور معهم عن يومهم، كان لا بد لهم ذلك لأن حياتهم دارت حول داليا.
أكلوا بلا أن يأخذهم الحديث لأي مكان غير الصمت، ظل آدم يحرك الملعقة في الشاي الذي برد. كان قد تَعود على حادثة الأمس، أم بالأحرى لم يتعود ولكن خلق من داليا اثنين، كما فعل الطفلين. داليا التي كانت تعتني بهم، وتقرأ وتحاور وتأخذهم ليمشوا عند البحر، وداليا أخرى كانت تحطم كل ما تبنيه، وتكسر وتصيح وتبكي وتصمت لأيام جالسة على الأريكة في عالمٍ آخر بعيد جدا عن عالمهم. داليا التي تُضمد وتُطعم وتأخذهم بين أحضانها وداليا التي تُدمر وتدفعهم بعيدا عنها، والمطبخ الذي ينقلب ما بين مأوى ومسرح تراجيدي. ولطالما تساءل آدم كيف لجسد أن يُزدوج و يخلق بداخله عالمًا آخرا؟ وكيف لشخص أن يكون منعزلًا كليا وهو يجلس برفقة غيره؟ كيف يكون الإنسان هنا وفي مكان آخر في الوقت نفسه؟
بعد أن أوصل الطفلين ليلحقوا الباص، عاد ليجلس أمام داليا في الصالة، ليفتح أي حديث يقدر عليه حتى يرجعا إلى الليلة الماضية والأدوية في الدرج ولكنه كما قد توقع أن يحدث، لم ترد عليه إطلاقًا، مشت للغرفة وأغلقت الباب لتنام.
ظل آدم واقفا في المطبخ لوقت طويل، من الصعب لمن يكون خارج المرض أن يرى من بداخله، كان يعرف ذلك، ويعرف محدودية فهمه أمام ما يحدث ورغم ذلك، لا يسعه إلا أن يغضب ويشمئز ويحزن من تلك الدوامة التي أرهقته وسرقت السنين من حياته. أين يكون الخط الفاصل ما بين الحب وبين التضحية؟ وهل يمكن للحب أن يكون إطلاقًا بلا تضحية؟ كان من السهل أن يرى الحب متجسدا بأبيات شعر وألحان موسيقى، ولكن من يكتب عن الإرهاق والغضب والحقد في الحب؟
في المساء، حين رجع الطفلان من المدرسة وعاد آدم من السوق، كانت داليا في الصالة، بيدها باقة ورد، تُزين مزهرية لم يروها قبل على الطاولة الخشبية. قد أسدلت شعرها من الضفائر التي اختنقت فيها طيلة هذا الأسبوع، واستقبلت كل واحد فيهم بقبلة، أخذت وردة من الباقة وثبتها على شعر الطفلة، لحق ذلك الكثير من القُبل على خديها التي همست فيها أنا آسفة، لم يكن زعل الابنة عنيد، لم يكن أقوى من حنينها وخوفها على أمها. ومقابل ذلك ركضت الطفلة للمزهرية وأعطتها وردة ، سرعان ما أُغرقت عَيني داليا الدموع. نعم، كذلك! ظن الجميع، قد عادت داليا، وربما في الصباح سيذهبون ليمشوا على البحر، وربما يتعانقون طويلا ويضحكون على المأساة، وربما غدا أمام البحر، سيكونون شيئا آخرًا.
ولكن البحر لم يأتِ غدًا، لم يتعانقوا طويلا، لم يشترِ الصغيرين أكياس الحلوى كما حلموا أمس ولكن كانوا الآن جالسين في غرفة الانتظار التي لا لون لها، على كراسي سوداء خشنة والباب خلفهم مُغلق. الأبواب، من يرى عالمهم من الخارج كان قد يظن بأن الأبواب فواصل تعيد سرد الواقع وتُهذب صدمات الحياة، خلف الباب تُسمع أصوات عالية، ربما نقاش حاد، وأمام الباب تُسمع الصراخ والشتائم. وإذا قفلت الباب كفاية، وإذا صرخت محترما أخلاقيات الباب.. ربما، فقط ربما، قد تتلاعب بالواقع. أم هل كان ذلك ما ظنه آدم وداليا؟
جلسا أمام الطبيبة النفسية، أمل. أخذت داليا القلم من على الطاولة وظلت تضغط عليه مرارا، ولم يستغرق الوقت طويلا حتى سألتها، لماذا لم تأخذي الأدوية التي وصفتها لك؟ ألم يكن هذا واضحًا! أجابتها داليا مُندفعة، كان الدواء يأخذ منها كل طاقتها، يدفعها إلى الفراش لأيام طويلة، يسرق منها صوتها وضحكتها. نعم، نعم، كان الدواء يسرق منها روحها، قامت من الكرسي، ومع كل جملة يزداد غضبها، هذا الدواء الذي تُعطينني إياه شيطاني! لم يكن آدم يشاركها شيئا من اندفاعها، وكأنه لم يكن جالس في الغرفة إطلاقا، عينيه بعيدتين من هنا، جسده أبعد. تلك أعراض النوبة التي يقمعها الدواء لا أكثر، لذلك أرجوك أن تلتزمي بها، أجابتها أمل. وحين لم تُغير جملتها الباردة من حرارة وغضب داليا، قالت من جديد، ما رأيك أن نُقلل الجرعة؟ وهي تنظر على دفترها، أم نستطيع أن نجرب دواء آخر. وكتبت لهم haloperidol, carbamazepine الأخذ مرتين في اليوم خلال ٢٤ ساعة.
وبعد ذلك، جلست داليا على الكرسي مجددا، لا لأنها اقتنعت بشيء ولا لأنها فهمت أيضا، ولكن لأنهم لم يفهموها، لن يفهموها. أرادت من آدم أن يعترض معها، أن يقول للطبيبة، لا لا، الذِهان لا يضحك ويتكلم، كل ذلك من داليا. أرادت من الطبيبة أن تعتذر، أن ترى الفاصل ما بين داليا وما بين المرض. ولكن ما الغرض الآن؟ ظنت داليا لنفسها إن كانت هي تُفرق ما بين مرضها وما بين نفسها. وهل من المنطقي أن تفصل الاثنين؟ وهل من المنطقي ألا تفصل الاثنين! بعد ما شَكر آدم الطبيبة وخرجوا من الغرفة، اختنقت داليا بغضب لا يُضاهي كل ما غضبت عليه مسبقا، بالطبع لم تعرف الطبيبة أن تراها خلف المرض، بالطبع أن العالم يراها كذلك أيضا، بضع من الكلمات التي نستطيع أن نخلق علبًا لها، كان ذلك أسهل، لا بد أنه أسهل. بضع من الأجساد التي تُعرف بمرضها قبل اسمها، بضع من الأجساد التي تُرمى في المصحات وتختنق بالحبوب والكيماويات وهي التي ينادنوها بالمتهورة وغير الواعية، هي التي تسيطر عليها مشاعرها؟! لن آخذ الدواء اللعين، فعلى الأقل أنا أمتلك العاطفة، وما الذي يمتلكونه أولئك الأوغاد؟ ظنت داليا.
في الأسبوع الذي تلا ذلك، ذهب آدم لمكتبة الطيران ليلغي حجوزات الرحلة لإسبانيا، اعتادوا كل سنة، خلال العطلة الصيفية أن يزوروا فالنسيا، يقضون أكثر أيامهم وخصيصا اليوم الأول في حدائق مجرى نهر توريا، كان عالمًا آخرًا هناك، هواء آخر، وكأنما كل يوم احتفال للزرع والأشجار والأنهار. اعتاد الصغيران هذه الرحلة سنويا، كانت ماريا تجلس على الزرع الصباح كله تُلون ما تراه حتى امتلأت ثلاجة وحيطان المطبخ برسوماتها وبتلك الخرابيش الخضراء. أما داليا، فكانت تروي لآدم كثيرا عن الفيضان الذي دمر في هذا المكان، وعن الحدائق الآن، التي تحدّت تلك الفيضانات، فلسفة جميلة، لكن ماذا يفعل بها الآن؟ الأسبوع امتلأ بصمت داليا الخانق، وصياح آدم وصفعه للأبواب غضبا ورجاءًا منها أن تتكلم. “ أريد أن أُلغي، لا، متأكد.” أجاب الرجل خلف المكتب. وبالأحرى عدم ذهابهم كان أفضل، لم يستطع أن يحمل تكاليف الرحلة وأقساط الصغيرين وفواتير المياه والكهرباء، داليا لم تعد تعمل، وهو كذلك تم طرده السنة الماضية، وكان من السهل له أن يلوم داليا ويتجاهل الباقي.
حين عاد للمنزل، أحضر معه كيس بني ورقي، من المطعم أسفل شارع بيتهم، ونادى الطفلين ليجتمعوا حول المائدة. أخبار مشوقة أعزائي، أولا، لا رحلة هذا الصيف! ثانيا، داليا لا تريد أن تأكل معنا! كان يردد لنفسه وهم جالسين، أصوات المعالق والأكياس وثرثرة ماريا حولهم. ولكن هذا المساء، لم تكن تلك الأصوات كافية لردعه عما فعله الآن. قام من على الطاولة، أقفل باب المطبخ بهدوء من بعده وصفع باب غرفتهم حيث داليا مستلقية، متجمدة. أيعجبكِ هذا المنظر كل يوم؟ صرخ مندفع، أنا أقوم بكل شيء! وهل سألتِ للحظة هل أكلت ماريا، هل ذهب زيد للمدرسة؟ تراكمت الملامات عليها، حتى قامت بنفس الغضب تصرخ عليه، أنت لا تفهم ما أعاني منه، ولا حتى الطبيبة الفاشلة تلك تفهم، لم يأخذهم الحديث لأي مكان، الغضب بقي أعظم منهم. هل كان فعلا يعاتبها على الطعام وهي غير قادرة حتى أن تمشط شعرها لأيام؟ الأسوأ من ذلك أن الرعب بدأ يتسلل إليها، هل سيخبر الطبيبة بأنها تهملهم؟ ولماذا لا يخبر الطبيبة بأنها تهمل نفسها، ما الأنانية هذه.
الحب كلمة مبهمة، قال آدم، كلمة فارغة حتى أمام المرض. ربما كان قد تعاطف معها أكثر لو أنها مصابة بالسرطان، لو أنها تعاني من شيء جسدي يظهر، ربما التعاطف يحتاج شيئًا صلبا. لم يعرف هذه الليلة ما الحد الفاصل بين حب العائلة لداليا وما بين احتقارهم لها. أكانت تعتقد أن ماريا حين تكبر لن تعاتبها؟ حرك رأسه، لا، لابد أنه قاسي في تفكيره، ولكن… العالم يحمل على ظهره مآسي حقيقية، مجاعة، تفجيرات، حروب، موت، وهو يحمل على ظهره الفواتير ومدارس الأطفال والشغل. أما داليا، ماذا؟ تحمل أوهام وعواطف تُكسر فيها البيت هكذا؟ لعله كان يعلم بأن ما يفكر فيه غير عادل، ولكن حينها، سيجب عليه أن يتعاطف وحين يتعاطف، سيشمئز من نفسه. ربما التعاطف مع المبهم والوهم يحتاج قلبًا أكبر، يقبل حتى بما لا يشعره الإنسان وبما لا يراه، وربما الآن، حينما يكون الإنسان مليئًا بالإرهاق والغضب، سيشتم التعاطف.
صباح اليوم التالي، رن آدم على أمل، بصوت أضعف، بخجل من نفسه. دكتورة أمل، لا أعرف ماذا أفعل، لا، لم تأخذ الأدوية وأنا لم أتبع ما قلته، تشاجرنا كثيرا هذا الأسبوع، قد تكون هي على حق؟ قد أكون لا أفهم، أرجو منكِ أن تشرحي لي. ولكن أمل لم ترد بنفس الهلع والعاطفة، كانت أسئلتها واضحة، هل كانت داليا تنام قليلًا، هل تُهمل نفسها؟ هل تُهمل الأطفال، هل أنتم بأمان، هل هي بأمان، هل كانت داليا تأكل؟ وحين أجابها، قالت له، لا تشعر بالذنب، بأن ذلك أقبح ما يعيد الدوامة، طلبت منه أن يحضر داليا إلى العيادة ويتناقشون حينها إن كان من الأفضل أن يتم معالجتها عن قرب. شكرها وأغلق الهاتف. مسؤولية الذنب، من المفترض أن يحمل الذنب إذن؟ ذلك الشعور المُخزي الثقيل، هو؟ أم داليا، أم الطفلين لأنهم جعلوا كل تلك المشاكل أثقل؟
وحين رجعوا الطفلين من المدرسة، واستيقظ آدم، كانت داليا في المطبخ، والورود الجديدة في المزهرية، والراديو يغني معها، سردت لهم حينها قصة حدائق مجرى نهر توريا. هل من العدل، إذن، أن يُزدوج كل شيء احتراما للمرض؟ هل من العدل أن يصبح الدواء علاج وطمس، والحب إنقاذ واحتقار، والمرض حقيقة وقبح؟
- لارا غاندي
الجزء الثاني للعمل الروائي:
ملاحظة: إن بدا في التمثيل ما هو غير دقيق أو منصف لثنائي القطب، فأرجوا لطفا أن تخبروني، إذ لم تكن نيتي بتمثيل هذه التجربة إلا باحترام وعناية، وأولا، بتعاطف.



رائعة جداً.
الكثير من الاسألة تجول بالي الآن،
ماذا عن الضغينة في الحب؟ أم أن الحب وجود سريالي لا يعلم بماهايته إلا من شُخِّص فيه؟
الرومانسية كما أُقرت في القرون السابعة و الثامنة عشر هي النظرة الجمالية المثالية الخالية من العيوب للعلوم الطبيعية، و ظننت لوقتٍ طويل أن هذا هو الحب.
أن يُحِبّ المرء رفيقاً رغم عيوبه ، حتى أبتليت فيه.
من الصعب الإقرار بهذا الشعور بصوتٍ أجوف ، أمام العلن.
كيف يصف المرء ضغينته تجاه محبوبه؟ أنّه مُرهَق؟
أنا أرى نفسي في كليهما ، داليا و آدم.
فأنا حقاً لا اعلم من هي داليا بين الاثنتين منها ، و لا اعلم ان كان تقزيمها في شخصيتها الطيبة عادلاً لقضيتها، أم أن اقتصاري لها بإنها جمع نقيضين هو إقرار بإحالتها من شكلها الإنساني، و لوم واضح لمعاناتها على أنها جزءٌ من تكوينها.
و في الوقت ذاته، انا أرى نفسي بوضوح في آدم، أي ذنبٍ أقترفه كي يطوى تحت رحمة تقلبات زوجته ، ما فائدة الحب إن كان هو الزوجان؟
أفهم غصته أثناء شرحه لأطفاله لماذا لن نرى ماما اليوم ، لماذا أنامُ مرةً أُخرى على الأريكة حيث ترياني بوضوحٍ عاري ثاني صباح.
كلاهما محق ، كلاهما غاضب لسببٍ وجيه، هكذا يتجلى تعقيد الوجود الإنساني من منظور تطوري و تعقيد العلاقة الإنسانية بشكلٍ مُجَرّد.
لا أخيار ولا أشرار هنا ، لا خطأ و لا صواب.
بل أنه في جوهر الأمر يقتضى بالوجود أن يكون تشاركياً ، لا فردانية حقيقية ، لم يكن هناك الإنسان الأول يوماً.
بل كان دوماً إثنان يملئان الوجود .
لا أعلم يقيناً إن كان بقائهما صالحاً ، لا أعلم إن كانت أمل طبيبة فاشلة، إن كانت داليا الحقيقية تصرخ لتتحرر ، إن كان آدم يقتل روحه بهذه التضحية .
لكن لربما هذا هو الجواب، الضبابية في وصف الشعور تُقر بحقيقته ، لا يمكن تجريد هذا التعقيد ، لكنني أعلمُ الآن أكثر عن عمقه ، و لهذا أنا ممتنة.
فكرَة أن لا احدًا يعرف حجم الألم الذي بداخلك و لا الصراع الذي تخوضُه كل يومٍ و مهما حاولت الشرح هم لن يفهموا ابدًا لطالما أحدث غصة بنفسي سواء حين أشعر به او حتى عندما اقرأ عنه يا ليت كانت هنالك وسيلة تجعلنا نخرجه من ذواتنا و نضعه تحت ابصار غيرنا ليرحمونا فقط.
مقال جميل كالعادة.